ابن عجيبة

581

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً آخر النهار ، وقرىء عشى بضم العين والقصر ، جمع أعشى ، أي : عشى من البكاء . فجاءوا إليه يَبْكُونَ أي : متباكين . روى أنه لما سمع بكاءهم فزع وقال : يا بنى ، أين يوسف ؟ فقالوا : يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ ؛ أي : نتسابق بأقدامنا في العدو ، أو الرمي وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا : بمصدق لنا ، وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ ؛ لسوء ظنك ، وفرط محبتك ليوسف . وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ : فوق قميصه بِدَمٍ كَذِبٍ ، أي : ذي كذب بمعنى مكذوب فيه ؛ لأنهم ذبحوا جديا ، ولطخوا قميصه بدمه . روى أنه لما سمع بخبر يوسف صاح ودعا بقميصه فأخذه ، وألقاه على وجهه ، وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص ، وقال : ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا ! أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه . وفي رواية أخرى : أنه لما رأى صحة القميص ضحك ، فقالوا له : الضحك والبكاء من فعل المجانين ! فقال : أما بكائي فعلى يوسف لما رأيت الدم ، وأما ضحكى ، فإني لما رأيت صحة القميص رجوت أن الحديث غير صحيح ، ولذلك قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً أي : سهلت لكم ، وهونت في أعينكم أمرا عظيما حتى أقدمتم عليه . وقيل : لما سمع مقالهم غشى عليه إلى الصباح ، وهم يبكون بأجمعهم ، ويقولون بينهم : بئس ما فعلناه بيوسف ووالده ، وأي عذر لنا عند اللّه . فلما أفاق نظر إلى أولاده وقال : هكذا يا أولادي كان ظني فيكم ، بئس ما فعلتم ، وبئس ما سولت لكم أنفسكم فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أي : فأمرى صبري جميل . وفي الحديث : « الصبر الجميل الذي لا شكوى فيه إلى الخلق » « 1 » . وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ أي : على احتمال ما تصفونه من هلاك ابني يوسف . وهذه الجريمة كانت قبل استنبائهم ، إن صح أنهم تنبأوا . وقد تقدم في سورة البقرة الخلاف في نبوة الأسباط فراجعه « 2 » . الإشارة : في هذه الآية رجاء كبير لأهل العصيان ، وبشارة وتأنيس لمن أراد مقام الإحسان ، بعد الإساءة والغفلة والنسيان ، وذلك أن هؤلاء السادات فعلوا بيوسف عليه السّلام ما فعلوا ، فلما تابوا بعد هذا الفعل العظيم اجتباهم الحق تعالى ، وتاب عليهم ، وقربهم حتى صاروا أنبياء ، على حد قول بعض العلماء . ولذلك قيل : [ كم من خصوص خرجوا من اللصوص ، وكم من عابد ناسك خرج من ظالم فاتك ] . وفي الحكم : « من استغرب أن ينقذه اللّه من

--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير في التفسير ( 12 / 166 ) عن حبان بن أبي جبلة ، مرسلا . ( 2 ) راجع تفسير الآية 136 من سورة البقرة .